ابن بطوطة

158

رحلة ابن بطوطة ( تحفة النظار في غرائب الأمصار وعجائب الأسفار )

الجبل عند طلوع الشمس قد ارتفع في الهواء وظهر الضوء فيما بينه وبين البحر فعجبنا من ذلك ، ورأيت البحرية يبكون ، ويودع بعضهم بعضا . فقلت : ما شأنكم ؟ فقالوا : إن الذي تخيلناه جبلا هو الرّخ ، وان رءآنا أهلكنا ، وبيننا إذ ذاك وبينه أقل من عشرة أميال ، ثم إن اللّه تعالى منّ علينا بريح طيبة صرفتنا عن صوبه فلم نره ولا عرفنا حقيقة صورته « 102 » . وبعد شهرين من ذلك اليوم ، وصلنا إلى الجاوة ، ونزلنا إلى سمطرة فوجدنا سلطانها الملك الظاهر قد قدم من غزاة له وجاء بسبّي كثير فبعث لي جاريتين وغلامين ، وأنزلني على العادة وحضرت إعراس ولده مع بنت أخيه « 103 » . ذكر أعراس ولد الملك الظاهر وشاهدت يوم الجلوة ، فرأيتهم قد نصبوا في وسط المشور منبرا كبيرا وكسوة بثياب الحرير ، وجاءت العروس من داخل القصر على قدميها بادية الوجه ومعها نحو أربعين من الخواتين يرفعن أذيالها من نساء السلطان وأمرائه ووزرائه وكلّهن باديات الوجوه ينظر إليهن كلّ من حضر من رفيع أو وضيع . وليست تلك بعادة لهن إلا في الأعراس خاصة . وصعدت العروس المنبر وبين يديها أهل الطرب رجالا ونساء يلعبون ويغنون ، ثم جاء الزوج على فيل مزين ، على ظهره سرير وفوقه قبة شبيه البوجة « 104 » ، والتاج على رأس العروس المذكور ، عن يمينه ويساره نحو مائة من أبناء الملوك والامراء قد لبسوا البياض وركبوا الخيل المزيّنة ، وعلى رؤوسهم الشواشي المرصّعة وهم أتراب العروس ليس فيهم ذو لحية ونثرت الدنانير والدراهم على الناس عند دخوله . وقعد السلطان بمنظرة له يشاهد ذلك ونزل ابنه فقبّل رجله وصعد المنبر إلى العروس فقامت إليه وقبّلت يده « 105 » ، وجلس إلى جانبها والخواتين يروّحن عليها ، وجاءوا بالفوفل

--> ( 102 ) الحديث عن الرّخ يذكّرنا كثيرا فيما يحكى عن العنقاء التي قال عنها القزويني في عجائب المخلوقات إنها أعظم الطيور جثة وأكبرها خلقة تخطف الفيل كما تخطف الحدأة الفار . . . خطفه ذات يوم عروسا مجلوة ! فتوسل الناس إلى الله الذي أجلاه إلى بعض جزائر البحر المحيط . . . وهي جزيرة لا يصل إليها الناس . . . وقد ورد في خريدة العجائب لابن الوردي ( ت 749 ه ) ص 102 حديث عن جزيرة الرخ يقول : إن أحد المغاربة يحمل اسم عبد الرحمن المغربي ، ويعرف بالصيني لأنه أقام به مدة طويلة ، احضر معه قصبة ريشة من جناح فرخ الرخ فكانت تلك القصبة تسع قربة ماء إلى آخر ما ذكره ابن الوردي ص 102 . . . ( 103 ) ينسب تاريخ ملوك فاساي ( PaseI ) للسلطان أحمد ثلاثين ولدا منهم زين العابدين الذي خلفه عام 1360 - 1389 - 761 - 791 انظر ييرازيموس III ص 346 تعليق 107 . ( 104 ) البوجة : تعني بالمغرب محفة العروس ويوجد باب من أبواب القصر الملكي بفاس يحمل اسم باب البوجات لأنه باب خاص بدخول الحريم والنسوة . ( 105 ) يتعلق الامر بعادة ماليزية تهدف للأعراب عن التقدير المتبادل بين الزوجين أو بالحرى عن عدم الكلفة بين الطرفين . . .